
لم يعد السؤال عن واقع المسرح السوداني ترفاً ثقافياً، ولا مجرد نقاش بين المشتغلين بالفن والدراما، بل أصبح ضرورة ملحّة في ظل التحولات العميقة التي يعيشها السودان. فالمسرح الذي كان يُنتظر منه أن يكون مرآةً للمجتمع، وصوتاً لقضاياه، ومساحةً للتفكير والنقد والتغيير، يبدو اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بطبيعة ما يقدمه، والرسائل التي يحملها، ومدى ارتباطه بالواقع السوداني.
المسرح السوداني بقى حكاوي بس؟
هذا السؤال لا ينتقص من قيمة الحكاية في العمل المسرحي، فالحكاية هي إحدى ركائز الدراما، ولكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الحكاية إلى غاية في ذاتها، دون بناء درامي متماسك، أو رؤية فكرية واضحة، أو معالجة فنية عميقة تترك أثراً في وجدان المتلقي وعقله.
فالمسرح ليس مجرد سرد لما حدث، ولا إعادة إنتاج للوقائع على خشبة العرض، بل هو فن تحويل التجربة الإنسانية إلى أسئلة، وتحويل الألم إلى معرفة، وتحويل الواقع إلى مساحة للحوار والمراجعة.
المسرح القومي والصحة النفسية: أين تقف الإشكالية؟
إن العروض التي قُدّمت على خشبة المسرح القومي وتناولت موضوع الصحة النفسية، في سياق الحرب وما خلّفته من أوجاع ومعاناة إنسانية، تفتح باباً مهماً للنقاش حول طبيعة المعالجة الدرامية التي يحتاجها المجتمع السوداني في هذه المرحلة.
فالحرب لم تخلّف دماراً في البيوت والمدن فحسب، بل تركت آثاراً نفسية واجتماعية عميقة في حياة المواطنين؛ من فقدان الأحبة، والنزوح، والخوف، والقلق، إلى اضطراب الإحساس بالأمان وتغيّر العلاقات الاجتماعية.
وأمام هذا الواقع، يصبح تناول الصحة النفسية في المسرح أمراً مهماً، بل مسؤولية ثقافية وإنسانية. غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل تحدثنا عن الصحة النفسية؟ وإنما: كيف تحدثنا عنها؟ وهل استطاعت عروضنا أن تنقل التجربة الإنسانية بعمق فني، أم اكتفت بسرد الحكايات التي أفرزتها الحرب؟
إن تناول الصحة النفسية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استعراض للمآسي أو تتابع للمواقف الحزينة، بل يحتاج إلى بحث درامي واعٍ يفهم الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره، ويكشف أثر الحرب في تفكيره وسلوكه وعلاقاته، ويمنح المتلقي فرصة لفهم المعاناة بعيداً عن التبسيط أو الاستغلال العاطفي.
كما أن المسرح، حين يتناول قضايا الصحة النفسية، مطالب بتجنب الوصم والتنميط، وألا يحوّل الشخصيات التي تعاني نفسياً إلى نماذج هزلية أو صور مبسطة للمرض، بل أن يقدمها بوصفها شخصيات إنسانية لها تاريخها وظروفها وصراعاتها.
الحرب ليست حكاية تُروى فقط
إن ما حدث في السودان خلال الحرب أكبر من أن يُختزل في حكايات متفرقة تُروى على خشبة المسرح. فخلف كل حكاية إنسان فقد شيئاً من حياته، وأسرة تشتتت، وطفل تغيّر عالمه، وشاب تعطلت أحلامه، وامرأة تواجه أعباء الفقد والنزوح، ومجتمع يبحث عن طريق لاستعادة توازنه.
وهنا تبرز وظيفة المسرح الحقيقية: هل يكتفي بإخبارنا بما حدث، أم يحاول أن يفهم لماذا حدث، وكيف أثّر في الإنسان، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه؟
إن الحكاية التي لا تتجاوز نقل الألم قد تجعل الجمهور يتعاطف للحظات، لكن المعالجة الدرامية العميقة هي التي تجعل الجمهور يفكر، ويسائل الواقع، ويعيد النظر في علاقته بالآخرين وبالمجتمع.
نحن لا نحتاج إلى مسرح يكرر صور المأساة التي يراها الناس كل يوم، بقدر حاجتنا إلى مسرح يمنح هذه المأساة معنى إنسانياً وفنياً، ويكشف ما وراءها من أسئلة حول الحياة والموت، والذاكرة والنسيان، والخوف والأمل، والانقسام والتعايش، وإمكانية التعافي بعد الحرب.
هل هذا ما نريده لمسرحنا؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه ونحن نتأمل واقع المسرح السوداني، وخاصة ما يُقدَّم على خشبة المسرح القومي، بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية.
هل نريد مسرحاً يكتفي بالحكاية، أم مسرحاً يصنع من الحكاية موقفاً ورؤية؟
هل نريد عروضاً تنتهي بانتهاء التصفيق، أم أعمالاً تظل أسئلتها حاضرة في أذهان الجمهور بعد مغادرته القاعة؟
هل نريد مسرحاً يستثمر في عاطفة الجمهور فحسب، أم مسرحاً يحترم وعيه، ويخاطب عقله، ويمنحه تجربة جمالية وفكرية متكاملة؟
إن هذه الأسئلة ليست أحكاماً نهائية على العروض التي قُدّمت، ولا إنكاراً لأهمية المبادرات التي اختارت تناول الصحة النفسية في زمن الحرب، وإنما هي دعوة إلى تقييم التجربة نقدياً، والنظر في مدى نجاحها في تحقيق التوازن بين الرسالة الإنسانية والقيمة الفنية.
فمجرد اختيار موضوع مهم لا يكفي لصناعة عرض مسرحي ناجح، كما أن النوايا الطيبة لا تعوّض ضعف البناء الدرامي أو غياب الرؤية الإخراجية أو محدودية الاشتغال على الشخصيات والأداء.
إن احترام الموضوع يبدأ من احترام الفن نفسه، ومن الإيمان بأن قضايا المجتمع الكبرى تستحق معالجة مسرحية تليق بحجمها وتعقيدها…..



